أبو الليث السمرقندي
257
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ وذلك أنهم لما أخذوا في الحرب انهزم المشركون ، فلما أخذ بعض المسلمين في النهب والغارة رجع الأمر عليهم وانهزم المسلمون ، فذلك قوله : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ . إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ يقول : تقتلونهم بأمره . وقال القتبي : تحسونهم يعني تستأصلونهم بالقتل ، يقال : جراد محسوس إذا قتله البرد . حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ يعني : جبنتم من عدوكم ، واختلفتم في الأمر وَعَصَيْتُمْ أمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلم مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ يعني أراكم اللّه ما تُحِبُّونَ يعني من النصر على عدوكم ، وهزيمة الكفار والغنيمة . ثم قال : مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا أي يطلب الغنيمة وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وهم الذين ثبتوا عند المشركين حتى قتلوا . وروي عن عبد اللّه بن مسعود أنه قال : كنا لا نعرف أن أحدا منا يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية ، فعلمنا أن فينا من يريد الدنيا ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ بالهزيمة من بعد أن أظفركم عليهم لِيَبْتَلِيَكُمْ بمعصية الرسول بالقتل والهزيمة وَلَقَدْ عَفا اللّه عَنْكُمْ ولم يعاقبكم عند ذلك ، فلم تقتلوا جميعا وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ في عفوه وإنعامه عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بالعفو والإنعام إِذْ تُصْعِدُونَ يعني : إلى الجبل هاربين ، حيث صعدوا الجبل منهزمين من العدو ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يدعوهم : « يا معشر المسلمين أنا رسول اللّه » فلم يلتفت إليه أحد ، حتى أتوا على الجبل . فذلك قوله تعالى : إِذْ تُصْعِدُونَ يعني الجبل . وهذا قول الكلبي وقال الضحاك : إذ تصعدون في الوادي منهزمين . وقال القتبي : يعني تبعدون في الهزيمة ، يقال : أصعد في الأرض إذا أمعن في الهزيمة . وقرأ الحسن : تصعدون بنصب التاء ، أي تصعدون الجبل . وقرأ العامة بالضم وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ يقول : ولا تقيمون على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ويقال : لا يقيم بعضكم على بعض وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ يقول : من خلفكم فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ يقول : جعل ثوابكم غما على أثر الغم ، ويقال : جزاكم غما على أثر الغم ، ويقال غما متصلا بالغم . فأما الغم الأول : فإشراف خالد بن الوليد بخيل المشركين وهم في ذلك الجبل قاله الكلبي . وقال مقاتل : الغم الأول ما فاتهم من الفتح والغنيمة ، فاجتمعوا وكانوا يذكرون فيما بينهم ما أصابهم في ذلك اليوم . والغم الثاني : إذ صعد خالد بن الوليد ، فلما عاينوه أذعرهم ذلك أي خوفهم ، فأنساهم ما كانوا فيه من الحزن ، فذلك قوله تعالى : لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ من الفتح والغنيمة وَلا ما أَصابَكُمْ من القتل والهزيمة . ويقال : الغم الأول الجرح والقتل ، والغم الثاني أنهم سمعوا بأن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم قد قتل فأنساهم الغم الأول . قال : وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ يعني لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ، فيجازيكم بها . ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً الأمنة في اللغة الأمن . قال الكلبي : إذا أمن القوم نعسوا . وقال الضحاك : النعاس عند القتال أمنة من اللّه تعالى . ويقال : الذي يصيبه الغم